عمر الهادي.. صحفي مصري.
جميع المواد المنشورة في هذه المدونة تعبر عن الرأي الشخصي لصاحبها، ولا تمثل أي جهة.
عمر الهادي.. صحفي مصري.
جميع المواد المنشورة في هذه المدونة تعبر عن الرأي الشخصي لصاحبها، ولا تمثل أي جهة.
Asad — Sat, 2012/01/28 - 11:00am
قبل نحو ثلاث سنوات، دخلت في مشادة مع عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، كنا أمام نقابة الصحفيين في وقفة تضامنية مع غزة أثناء العدوان، وكان نظام مبارك متواطئاً مع العدو الصهيوني، وكان الإخوان يريدون منع بقية المشاركين من الهتاف «يسقط يسقط حسني مبارك»، فأخذوا يرددون بصوت أعلى «الله أكبر ولله الحمد».
وقبل أيام وجدت نفسي في ميدان التحرير، وبينما يهتف الثوار «يسقط يسقط حكم العسكر»، ترد منصة الإخوان بهتاف «إيد واحدة»، و-يا للعجب- بأغانٍ عن ثورة يوليو تقول إحداها «وانتصرنا يوم ما هب الجيش وثار».
في ديسمبر 2008 قلت إن في فم الجماعة ماء، وفي يناير 2012 أقول إن على رأسها «بطحة»، ولا أدري متى يمن الله عليها فتبرأ من الظروف الخاصة والأوضاع الاستثنائية التي لا تنتهي.
وقعت مساء الجمعة 27 يناير مشادات وأحداث مؤسفة بين الإخوان والثوار أخطأ فيها الطرفان، ولا أحب الخوض فيها الآن، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مصارحة بعيداً عن رومانسيات «إيد واحدة»، التي لن تحفظ وحدة الثورة طالما اختلفت الأهداف والمصالح والتحالفات.
كيف يرى الإخوان أنفسهم الآن؟
هل هم الفصيل الذي منحه الشعب ثقته فحصل على ما يقرب من نصف أصوات الناخبين، وبالتالي أغلبية أول برلمان منتخب بإرادة حرة؟ أم هم الجماعة التي تحمل على ظهرها إرث 83 عاماً من المآسي والصراع مع الأنظمة المتعاقبة من أجل الحفاظ على جسد التنظيم لدرجة عطلت معها غريزة البقاء عند الجماعة سواها من الدوافع والغرائز، ووأدت معظم احتمالات التطور؟
إذا كانوا يرون أنفسهم فائزين بالأغلبية وممثلين للشعب الذي قام بثورة من أعظم ما سجله تاريخ الإنسانية فلمَ يفرون من تحمل مسؤوليتهم تجاه هذا الشعب؟ ولماذا يرفضون أي ضغط على المجلس العسكري الذي نعرف ويعرفون أنه البقية الباقية من نظام مبارك الذي سامهم سوء العذاب.
ولماذا، وقد من الله عليهم بالنصر والتمكين، لا يزالون يعيشون نفسياً وعملياً في عهد الاستضعاف فيعطون الدنية في سياستهم أمام العسكر، ويلجأون لـ«الحسبنة» والدعاء وترديد أدبيات «الابتلاء» و«الصبر والاحتساب» في مواجهة انتقادات خصومهم السياسيين المفترض أنهم «أقلية» يتعامل معها «الأكثرية» بمنطق الاحتواء لا الخوف والفزع واستدعاء المظلوميات القديمة.
وإذا كانوا يرون أنفسهم مازالوا في مرحلة الاستضعاف ولم ترسخ أقدامهم بعد في السلطة رغم الملايين التي انتخبتهم، فعلام إذن هذا التعالي على خلق الله والاستخفاف بالقوى والتيارات الأخرى التي باتت موضع تسفيه وتجاهل وطعن، بدأ قبل بيان «جمعة الوقيعة»، ولم ينتهِ عند تقديم بلاغ ضد الاشتراكيين الثوريين بتهمة «إسقاط الدولة»! وهم الذين تحالفوا مع الإخوان قبل الثورة وحاربوا ضد قمعهم.
لم تنتصر الثورة بعد، ولا تزال معركتها مع العسكر مستمرة، فهل الإخوة مكملين معانا ولا نزلوا في محطة البرلمان؟
لا مشكلة في الحالتين، للثورة شعب يحميها، المهم أن تحسموا أمركم لأن هذا التردد سيؤدي للكثير من سوء الفهم وسوء التصرف من جميع الأطراف.
لن أخاطب هنا قيادة الجماعة التي أعلم حجم سيطرتها على التنظيم، ولكني أسأل كل أخ: هل تعتبر نفسك الآن جزءاً من النظام الذي صرتم تسيطرون على سلطته التشريعية؟ أم جزءاً من الثورة التي تصرون على أنكم ما زلتم شركاء فيها؟
للأسف لا يمكن الجمع بين عضويتي النظام والثورة. لأن الرأس العسكري للنظام ومتخذ القرار الحقيقي فيه جزء من النظام المخلوع، ولا توجد طريقة لفض هذا الاشتباك إلا بانتخاب رئيس مدني في أقرب وقت، ثم وضع الدستور بعيداً عن سلطة العسكر، وحينها يمكننا القول إنكم كأغلبية برلمانية جزء من نظام سياسي جديد أنتجته الثورة.
أما الآن، وطالما أن الذي يحكمنا هو المجلس العسكري الذي أرسل له البرلمان برقية شكر وتبجيل، فيمكنكم أن تحاولوا تشكيل جناح ثوري داخل نظام مبارك في طبعته الأخيرة، ولكن الثورة لن تقبل جناحاً يمثل هذا النظام فيها.
أرجو من شباب الإخوان أن يفكروا في هذا الأمر ويراجعوا قياداتهم، لأنني أعلم إخلاصهم وحسن نواياهم وشجاعتهم التي كانت مضرب الأمثال في «موقعة الجمل» وفي كل معركة تعهد إليهم الجماعة بخوضها.
وكما لا أقبل من أحد أن يستخف بالبرلمان الذي انتخبه الشعب، أو يتهم شباب الإخوان بالخيانة أو التفريط في دماء الشهداء، وقد كان من بينهم شهداء، فلا أقبل من هؤلاء الشباب تصديق من يقول لهم إن المختلفين معهم وخصوم الجماعة السياسيين مجرد «علمانيين» معادين لتحكيم دين الله، أو «حاقدين» يتطاولون على «أسود الدعوة»، لأنهم خسروا الانتخابات!
هذا وقت الفرز والاصطفاف، فاسألوا من أعطاكم التكليف بنزول التحرير لحماية «المنصة» عمّا كانت الجماعة تفعله هناك؟ إذا كانت تشارك في الثورة فلماذا لم تهتف ضد العسكر إلا بعد «رفع الأحذية»؟ وإذا كانت تحتفل فأي احتفال هذا الذي يستمر ثلاثة أيام؟ وإذا كانت تحمي الميدان فأين ذهبت حين سالت الدماء وانتُهكت الأعراض في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء؟ اسألوهم لماذا ظل الإخوان منذ دخولهم مساء 24 يناير متوجسين متربصين في جانب، بينما ظل الميدان –على اختلاف أهله- واحداً لا يتميز فيه ثائر عن آخر؟
ما زالت الثورة في حاجة للجميع، ولا أحد سيستفيد من الشقاق سوى الديكتاتورية العسكرية، من دخل الميدان ثائراً فهو آمن ومحل تقدير واحترام، بشرط أن يرى الإخوان في الثوار أحمد حرارة، وليس ممدوح حمزة، وأن يرى الثوار في الإخوان مصعب الشاعر، وليس صبحي صالح.
والله الموفِّق والمستعان.
نُشر في "المصري اليوم".
Asad — Sat, 2012/01/21 - 11:00am
ما سبب الاشتباك الحاصل الآن بين الثورة والمجلس العسكري؟
يقول الثوار إن المجلس أفرغ الثورة من مضمونها، وعمل على إجهاضها وحماية النظام السابق وتشويه الثوار، ثم تلطخت يده بالدماء في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، ومن ثم فإنهم يطالبون بإسقاطه وتسليم السلطة للمدنيين.
ويقول المجلس إنه حمى الثورة ويؤيد أهدافها، وإنه حافظ على البلاد في وقت عصيب، وسيعاقب أي مخطئ خلال الأحداث الأخيرة، ويؤكد أنه ليس طامعاً في الحكم، وسيسلم السلطة في 30 يونيو، ثم يعود لممارسة «دوره».
وما لا يقوله الطرفان عادة هو أن الصراع الحقيقي يكمن حول المطالب «الفئوية» للمؤسسة العسكرية، أي حدود دورها وامتيازاتها ومدى سيطرة المؤسسات المدنية المنتخبة عليها.
تعمد الجنرالات بعد استفتاء مارس أن يشيعوا حالة من الغموض حول مسار المرحلة الانتقالية، ولم يحددوا موعداً لتسليم السلطة، وباتت التوقعات تدور حول منتصف 2013، حتى بدا للبعض أنهم ينتظرون اللحظة المناسبة لإعلان بقائهم في الحكم، ونجحت هذه السياسة في إرسال إشارة لبعض القوى التي سارعت بتقديم «ضمانات» للعسكر، بعد تكرار تصريحات من عينة ما قاله اللواء ممدوح شاهين نهاية مايو 2011، حيث طالب بـ«وضع خاص» للقوات المسلحة فى الدستور الجديد، «حتى لا تكون تحت هوى رئيس الدولة».
التقط المستشار هشام البسطويسي الخيط بوثيقة طرحها في 3 يوليو، لتحديد وضع الجيش في الدستور، كان من بين ما تضمنته أن «الميزانية السنوية للقوات المسلحة تدرج رقماً واحداً فى ميزانية الدولة، وينظم القانون طريقة إعدادها ومراقبة التصرف فيها ويحظر مناقشتها فى علانية، أو نشر بياناتها، جملة أو تفصيلاً، لمدة لا تقل عن ثلاثين عاماً، وذلك استثناء من أي قانون آخر»، إلى جانب «موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبل صدور أى تشريع أو تعديل يتصل بشأن من شؤون القوات المسلحة»، كما قيدت الوثيقة رئيس الجمهورية في توجيه القوات المسلحة بأداء مهامها خارج حدود الوطن أو فى الدفاع عن حدوده، واشترطت موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الدفاع الوطنى، إلى جانب البرلمان، على توجيهات الرئيس في هذا الشأن.
واجهت وثيقة «البسطويسي» معارضة شديدة من جانب القوى الثورية، وغير الثورية «كعمرو موسى»، ورد القاضي السابق بعصبية على منتقديه، مؤكداً أنه يرى ما لا نراه، وأنه لم يطرح الوثيقة نفاقاً للعسكر، بل لإنقاذ البلاد من مصير أسود ينتظرها، إذا لم تمنح هذه الضمانات لقادة المجلس، وبعدها تهاوت أسهم «البسطويسي» كمرشح محتمل للرئاسة، وخرج من الساحة السياسية.
وكما تفعل أي جماعة عمال أو معتصمين ممن يلعنهم المجلس العسكري كل صباح ويتهمهم بالأنانية وتعطيل عجلة الإنتاج، قطع العسكر طريق المستقبل أمام البلاد، وأخذوا السلطة رهينة، رافضين إعلان موعد تسليمها قبل أن يمنحهم الجميع ضمانات تجعلهم فوق القانون، ودولة داخل الدولة.
وقد حققت الثورة انتصاراً جزئياً في هذا الملف، حين أجبرت المشير طنطاوي على الخروج في خطاب متلفز ليعلن أن الرئيس المنتخب سيتسلم السلطة بحلول نهاية يونيو 2012، لكن الثمن كان دماء أكثر من 50 شهيداً في أحداث محمد محمود.
واليوم يظن العسكر أن بإمكانهم عقد تفاهمات مع القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية، ليس من أجل «الخروج الآمن» والعودة إلى الثكنات، بل من أجل «الدخول الآمن» في معادلة الحكم، كطرف ثالث فوق الرئيس والبرلمان، يلوي ذراع السلطات المدنية المنتخبة، ويفرض إرادته عليها.
والحق أقول لكم، لا تصدقوا أي «نصّاب» يزعم أنه يستطيع أن يضمن لأي منكم أن يفلت من العقاب على دم أو مال حرام.
الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة، مهمتها حماية أمن البلاد وسلامتها بالكيفية التي تحددها السلطة المدنية المنتخبة، ويجب أن تخضع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية التي ارتضاها الشعب، شأنها في ذلك شأن وزارة الزراعة ومصلحة التليفونات.
أعطاكم الشعب سلاحاً لكي تصدوا عنه العدو الخارجي لا لكي تفرضوا إرادتكم عليه، جنودكم وضباطكم من أبناء الشعب، ورواتبكم من جيبه، وإنجازات الجيش وبطولاته ملك حصري خالص للشعب المصري، ولا يحق للجنرالات أن يبتزوا الأمة المصرية فقط لأنهم رفضوا إطلاق الرصاص على أبنائها في يناير ولم يطلقوه إلا في أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.
لستم أحرص من أي مصري على قوة جيشه وسلامة مؤسسته العسكرية، أريد جيشاً وطنياً محترفاً، أقوى من جيش الكيان الصهيوني، لا يعتمد على معونة أمريكا وسلاحها، تلتزم الدولة بتوفير كل احتياجاته من ميزانيتها، وتضمن له أن يكون الأقوى في الشرق الأوسط، وسأخرج بنفسي لإسقاط أي سلطة تضعف الجيش أو تقصر في دعمه وتطويره.
لكنني لا أريد جيشاً يستولى على أكثر من 20% من الاقتصاد القومي ويستغل المجندين كعمال بالسخرة دون محاسبة أو رقابة، لا أريد جيشاً يتاجر في الأراضي وينشغل جنوده بتربية الماشية والدجاج وجمع البيض وصناعة الكعك والمكرونة وتقديم المشروبات في قاعات الأفراح، أريد مصانع حربية تنافس الصناعة العسكرية الإسرائيلية وليس مصانع تنتج حلل المطابخ والغسالات، ثم تحاكم العمال عسكرياً إذا طالبوا بحقوقهم.
أريد جيشاً يتناقل العالم أنباء إنجازاته التقنية والعسكرية، وليس صور جنوده وهم يقتلون المتظاهرين ويسحلون النساء في الشوارع.
يجب أن تتخلص المؤسسة العسكرية من إرث «مبارك» وتؤدي دورها بكفاءة واحتراف بعيداً عن حسابات المصالح السياسية والاقتصادية، وعلى البرلمان الممثل لإرادة الشعب أن يحمي جيش مصر الوطني من أهواء أعضاء المجلس العسكري ومطالبهم الفئوية.
الثورة مستمرة لإنقاذ «جيش 73» من «عسكر 2011».
موعدنا 25 يناير.
--
نشر في "المصري اليوم".
Asad — Thu, 2012/01/19 - 11:53am

الجمعة 11 فبراير 2011.. في السادسة وعشر دقائق، أكتب خبراً تقول فقرته الثانية: «وعمت الاحتفالات أرجاء البلاد التي شهدت معظم مدنها اليوم مظاهرات حاشدة شارك فيها الملايين من أبناء الشعب مطالبين برحيل مبارك وتغيير النظام الفاسد الذي حكم مصر 30 عاماً».
تحققت الأمنية التي ملّ الأصدقاء من تكراري لها كل عيد ميلاد، خلعنا مبارك، أسقطناه في 18 يوماً، وبعد ثورة حددنا موعدها مسبقاً، هذه لحظة لم يجرؤ أكثرنا حماقة على أن يحلم بها، قبل أيام كانت أقصى أمانينا أن يموت حسني فيأتي جمال.. ويفشل سريعاً، أو يأتي عمر سليمان.. ويموت سريعاً.
عشت سنوات أحلم بما جرى وأسعى لتحقيقه، أتخيل كل يوم عشرات الآلاف في ميدان التحرير بينما يعلن خطيب متحمس أن إسقاط النظام بات مطلباً شعبياً، وحين حدث الأمر بالفعل أجدني الآن أحاول جاهداً فهم ما جرى حقاً، وإدراك أثره، على الأقل على نفسي ومن حولي.
اتصلت ليلة 28 يناير ببعض من أحبهم بعد انقطاع الإنترنت، علمت أنني سأستيقظ يوم الجمعة على عالم جديد، لا أعرف ملامحه، لكن كل الاحتمالات كانت مفتوحة، وجميعها كان على قطيعة تامة مع كل ما عرفته واعتدت عليه.
حين رأيت عشرات الآلاف في الشوارع بعد صلاة الجمعة رغم حشد السلطة لكل قواتها في معركة البقاء علمت أننا نجحنا، تنتصر الثورة في أولى معاركها، وتفتك في طريقها بكل شيء، هذه مصر أخرى غير التي باتت خائفة تترقب، جديدة لا يمكن يتوقع مجريات أحداثها، عصية لا أحد يحمل مفاتيحها، تغير فيها التاريخ والجغرافيا، وتغير البشر.
تغيرت أنا أيضاً، فبعدما كنت أجزع لرؤية إنسان يصاب بجرح، وجدتني ذات مساء في نوفمبر الماضي أسند ظهري إلى حائط المستشفى الميداني، بجوار جثة شهيد يرتدي قميصاً أزرق- تماماً كقمصاني المفضلة-، وكل ما فكرت فيه هو التقاط صورة له ورفعها على تويتر، بينما ينتهي الأطباء من إفاقة صديقة أصيبت بنوبة ذعر أثناء هجوم قوات الصاعقة والمظلات على الميدان.
في الساعة الأولى بعد ظهر 28 يناير حاولت إقناع بعض الشباب بعدم استخدام العنف مع الشرطة، قبل أن تحتدم المواجهات، وفي موقعة الجمل تقدمت إلى الصفوف الأولى وبقيت بلا فائدة تذكر دون أن ألقي حجراً خوفاً من إلحاق أذى كبير بمن كانوا يريدون سحقنا!، لكنني لم أتردد لحظة قبل أن ألقي أشياء كثيرة في 28 يونيو، و23 يوليو، و19 نوفمبر، و16 ديسمبر، وأجدني الآن تواقاً للمرة القادمة التي سنضطر فيها للدفاع عن أنفسنا، والنيل من السفلة.
المشكلة الوحيدة، كما قال علاء، أن اللواء حمدي بدين لا يعرف «أن بين صفوفنا من يخاف والدته أكثر مما يخاف الرصاص والمدرعات»، فأمي تؤيد الثورة وتعلم بحدسها كل مرة أين أنا حتى لو كذبت عليها، وفي كل مرة أفكر في الخيار الأفضل بالنسبة لها، إذا لم أتمكن من العودة سالماً، هل أكون معتقلاً (قد لا يظهر مجدداً) أم مصاباً (قد لا يشفى أبداً) أم شهيداً؟ ودائماً ما أفشل في الإجابة، وأنسى أن أسألها.
حسناً، لم تكن تلك المشكلة الوحيدة. ثمة مشاكل أخرى.
أسير يومياً في الشارع الذي سحقت فيه السيارة الدبلوماسية شباناً كنت أقف معهم، وأمر بجوار بقعة ذقت فيها لأول مرة طعم الدم وعرفت أثر طلقات الخرطوش، ليست مؤلمة، فقط وخز خفيف، وخدر لذيذ، لن تنزف الكثير، يكمن الجزء المتعب في اكتشاف أي الطلقات بقيت تحت جلدك، واستخراجها سهل، طالما لم تكن في عينك، كمالك، صديقي الذي تابعتُ تطورات حالته عن بعد ولم أزره أو أسأل عنه، لأنني لم أجد شيئاً يمكن أن أقوله له.
الشوارع لم تعد مجرد شوارع، ولم يعد بوسعي التعامل بشكل طبيعي مع التحرير وعبد المنعم رياض وطلعت حرب ورمسيس والجلاء وقصر العيني ومحمد محمود وباب اللوق ولاظوغلي والشيخ ريحان ومنصور والفلكي و26 يوليو. في كل منها يتجدد مشهد لا أستطيع الفكاك منه.
وعلى المستوى الشخصي، أصبحت أكثر عدوانية وسخافة، خذلت أصدقاء وأحباء أرجو أن يسامحوني، وتعطلت الكثير من وظائفي الإنسانية، وحتى مناعتي الصحية تأثرت، ودخلت في دوامة عمل صحفي مرهقة ولا نهائية مع تسارع الأحداث في الشارع، لم أستطع وضع حد لها إلا قبل أيام.
هذا ليس إحباطاً، ولست قلقاً على الثورة، فقد دفع ثمن استمرارها مقدماً مينا دانيال وعلاء عبد الهادي وعماد عفت، وآمنت بها أقلية قوامها بضع ملايين لكنها كافية لتبقى جذوتها مشتعلة، ويستعد للانضمام إليها جيل جديد سيخرج من المدارس والجامعات عصياً على أي سلطة.
الثورة مستمرة بالدم في الشوارع ولها في كل شهر معركة على الأرض: 28 يناير، 2 فبراير، 9 مارس، 9 أبريل، 15 مايو، 28 يونيو، 23 يوليو، 1 أغسطس، 9 سبتمبر، 9 أكتوبر، 19 نوفمبر، 16 ديسمبر، ونحن على بعد أيام من الاستحقاق الجديد، والدم في «يناير» ليس كالدم في غيره.
ووسط كل هذا، لا يساعد المرء على تمالك نفسه وحفظ إنسانيته سوى أمور كروعة ثبات ماري دانيال، وشجاعة «ست البنات»، وثقة والدة أحمد سرور «كل واحد في التحرير أحمد»، وفدائية مسعفي «الموتسيكلات»، ولمسة على الكتف من مجهول في ظلام محمد محمود، وحب من أصدقاء وصديقات ربما لم يجمعني ببعضهم سوى الميدان، والأهم: رفاق معركة يواجهون الموت ضاحكين، ويصدون هجمات العسكر كما كانوا يلعبون الكرة في حواري أحيائهم.
كل ما في الأمر أنني لا أزال عالقاً في 28 يناير.
Asad — Sat, 2011/11/05 - 9:15am
«اتجمعوا العشاق في سجن القلعة.. اتجمعوا العشاق في باب الخلق»، كانت «إسكندريلا» تغني في حديقة الأزهر، بينما عاشق وحيد يقضي ليلته في الظلام داخل سجن قذر بباب الخلق، يفكر فيما إذا كان سيتمكن من حضور ولادة ابنه الأول.
لن أكتب عن علاء عبد الفتاح، بل عن حلمه وحلم جيلنا، عن 6 سنوات بدأناها بـ«يسقط يسقط حسني مبارك» حين كان رئيساً مدى الحياة ونصف إله، ونواصلها بـ«يسقط يسقط حكم العسكر» حين صاروا جنرالات السلطة المطلقة، بيدهم الحكم والتشريع والقضاء العسكري «الملاكي».
والحق أقول لكم، أنا فخور بما صنعناه، بشعلة الحرية التي نفخنا فيها من روحنا حتى أحرقت نظام مبارك، بالطاغية مدعي المرض خلف القضبان، بمبنى الحزب الوطني المحروق على الكورنيش، بحبيب العادلي في بدلته الزرقاء، بالبرلمان المنحل والدستور الساقط، بـ«الشاب الذي أوقف المدرعة»، بدموع أمهاتنا أمام صور الشهداء، والأهم.. بـ«علي ماهر» و«رامي محسن» و«مينا دانيال» وشهداء ما زلنا نقدمهم ثمناً للحرية حتى ترضى.
لم تنتهِ المعركة، ولن تنتهي طالما بقي على هذه الأرض مصري ذاق طعم الحرية لحظة، أو مصري قابل الموت واحتفظ على جسده بتذكار، أو مصري حمل أخاه الشهيد، أو مصري أعزل حارب آخر جيوش الظلم يوم «الجمل» ولفحت وجهه رياح النصر فجر الثالث من فبراير، أو مصري نام على رصيف الميدان وحوله أبناؤه يتعلمون درس الكرامة.
وبعد 9 أشهر من الثورة، يحاصرنا العسكر و«الفلول» و«الخائفون من الحرية» بالكثير من الملل والإحباط والتباطؤ والتواطؤ والتشويه الشخصي وترديد أفكار ومقولات من تراث العبودية.
ولأننا في موسم انتخابي، يفكر البعض ويتعاطون الثورة والسياسة بعقلية مندوبي المبيعات وخبراء التسويق، وانطلقت حملات «الولولة» تحت شعار «الشعب يكره الثورة»، مدعومة بحواديت مصاطب وميكروباصات مفادها أن «الناس» باتوا يشتمون «شباب الثورة» ويشاهدون برامج «سبايدر» و«عكاشة»! وأن علينا التوقف عن إثارة المتاعب والاكتفاء بما تحقق. لذا وجب التنبيه:
1- الثورة ليست حملة علاقات عامة، الثورة إرادة حرة تنتصر أو تموت ولا يوجد خيار آخر.
2- الهدف من «كسب الشارع» هو دفعه لدعم الديمقراطية وأهداف الثورة، لكن حشد المؤيدين والأنصار ليس هدفاً في حد ذاته إذا كان سيجرنا إلى التنازل عن مبادئنا أو إخفاء مواقفنا الحقيقية أو تقديم تنازلات عن حقوقنا.
3- مصر كبيرة، كبيرة جداً، فيها ملايين من كل الأصناف، ملايين على «الكنب»، وملايين في «التحرير»، وملايين في مظاهرات السلفيين، وملايين تردد ما يقال لها على القناة الأولى، وملايين ليست مهتمة بأي شيء خارج بيوتها، وكل واحد يمكنه أن يركز مع الملايين «اللي تريحه»، وأنا شخصياً مهتم أكثر بالملايين التي استجابت لنداء النفير الوطني العام ظهر 28 يناير وخرجت من كل شارع لتسحق قوات النظام في 4 ساعات، وسأظل أراهن عليها وأثق في يقظتها وتدخلها في الوقت المناسب.
4- بعد 30 سنة من إعلام مبارك وتعليم مبارك وأخلاق مبارك و«مصر مبارك»، مجتمعنا في حاجة إلى العلاج، إلى مصارحة بأن أغلبنا ليسوا أسوياء، وليس إلى المزيد من نفاق رجل الشارع وتنويمه وملئه باطمئنان زائف لخيارات فاسدة لم يخترها بعقل حر أصلاً.
5- قرارات الشارع واجبة النفاذ، لكنها ليست صحيحة بالضرورة، نحترم خيارات أغلبية لم تتعافَ من طول معاشرة الاستبداد ونشجعها على ممارسة مواطنتها الكاملة، لكن لا يصح أبداً أن نقول إنها على حق في كل شيء بينما واجبنا أن نساعدها لتتغير.
6- الثورة لا تحكم البلد، لسنا مسؤولين عن أزمات الخبز والجاز والبوتاجاز وضياع حقوق العمال وارتفاع معدلات البطالة، دورنا توجيه غضب المجتمع إلى وجهته الصحيحة، وليس اجترار ما يلوكه الإعلام الرسمي وتفخيخ مسار الثورة بهذه الملفات التي لم تستلمها بعد.
7- نعم، الثوار يرتكبون الأخطاء، وسيستمرون في ارتكابها طالما ظلوا أحياء، وبعض هذه الأخطاء يمكن أن تستعدي قطاعات من الشارع، لكن هذا ليس مبرراً لوقف الثورة أو لعنها، هل ستتوقف ثورة «شعبية» لأن الجالسين أمام التلفزيون لا يحبون «فلان» أو «فلانة» من الثوار؟
8- التغيير يحدث ببطء، عام 2005، لم يتجاوز «الثوار» المئات أو الآلاف في أفضل الحالات، وكان المارة في الشوارع يسخرون منهم، وكان الأمن يسحقهم، وكانوا محبطين، لكن واحدة من أكبر الثورات الشعبية في التاريخ رددت هتافاتهم بعدها بست سنوات، ولا شك أن مجتمعاً مر بثورة سيكون مستعداً للتغيير بوتيرة قد تفاجئ أكثر الناس تفاؤلاً.
نحن أقوى من العسكر، لأننا حاربنا وانتصرنا على قائدهم الأعلى بينما هذا الجيل من قادتهم لم يخض أي حرب، لأننا كنا نقول «لا» وندفع ثمنها في الشوارع بينما كانت أظرف «بدل الولاء» في طريقها إلى مكاتبهم، أميل إلى أن الجولة الثانية ستأتي سريعاً جداً بعد الانتخابات، وأنتظرها كما لم أنتظر شيئاً من قبل في 25 يناير 2012.
وفي كل الأحوال، نحب حقاً أن نستدفئ بالميادين الممتلئة والأغلبية الراضية عن «الشباب الطاهر»، لكننا سنمضي في الطريق حتى إذا بقينا وحدنا، ببساطة -كما فعل علاء- سنفعل ما نجده صواباً وندافع عما نراه حقاً، أيا كانت النتائج و«الخسائر»، الثورة ليست نزهة، الثورة معركة تغيير جذري مؤلمة ومكلفة وطويلة، الثورة نار وقودها الدماء، اللي خايف يروح.
Asad — Thu, 2011/08/18 - 1:05am
في بدايات حكم مبارك سألته مجلة «المجلة» عام 84 عن أحلامه فقال: «الأحلام دي بالليل وإحنا نايمين أما النهار فهو مخصص للشغل فقط»، وبعدها بثمانية عشر عاماً سألته مجلة «أكتوبر» عن أمنياته للعام الجديد في يناير 2002 فقال: «أنا لا أضيع وقتي في الأحلام وأفكر في حدود الممكن وأمنياتي محكومة بالظروف».
ما جرى بين 14 أكتوبر 1981 و11 فبراير 2011 كان ببساطة تجسيداً لمأساة أن تسلم أمة مستقبلها لرجل بلا أحلام، دون خيال، موظف عسكري نمطي انتهى به الحال طاغية لا يسمع ولا يرى ولا يفهم، وأمة أضاعت من عمرها 30 عاماً من «الجري في المكان»، والحفاظ على استقرار لا يؤدي إلى أي شيء.
وما جرى في 25 يناير لم يكن إلا نتيجة لأن عدة آلاف من شباب مصر نجحوا في إنقاذ خيالهم من عمليات الإخصاء الممنهج، وامتلكوا جرأة الحلم، فأشعلوا شرارته في قلوب المصريين وصدقهم الشعب فنزل إلى الشوارع في 28 يناير معلناً أنه استرد أحلامه، وسيموت دفاعاً عنها.
ومشهد الفرعون داخل القفص في 3 أغسطس كان انتصاراً للخيال، لن ندرك أبعاده وأثره إلا حين نرى أبناءنا في الابتدائية بعد 20 عاماً يجيبون عن سؤال «من قائل العبارة التالية: هذه الاتهامات أنكرها جميعاً؟»، كما كنا ندرس «وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا».
ورغم أجواء الإحباط بين الثوار بعد إجهاض تحركاتهم في الشارع، واحتلال ميدان التحرير من قوات الجيش والشرطة التي يبدو أنها قرررت الاعتصام فيه إلى مالا نهاية، لتشغل بوجودها المادي حيزاً من الفضاء العام يؤلم السلطة أن ترى الثوار فيه، إلا أن ما تحقق حتى الآن واقع أفضل 100 مرة من حلمنا الكبير ليلة 25 يناير: «إقالة العادلي».
ومن المهم الآن أن ندرك أن الاستجابة لمطالبنا وتحقيق المزيد من أهداف الثورة يتناسب طردياً مع انخفاض الروح الثورية في الشارع وتزايد حالة التململ من ظروف المرحلة الانتقالية التي سنخوض بعدها معارك من نوع مختلف، على رأسها الانتخابات.
أحد الأسباب الهامة لهذا الإحباط هو تأرجح المجلس العسكري الدائم بين انحيازه المحدث للثورة، وولائه القديم للنظام، ولعل آخر ملامح هذا الفصام في شخصية المجلس العسكري ظهر مؤخراً ضمن كتاب «معلومات عن مصر»، الذي توزعه الكلية الحربية على الطلاب المتقدمين للالتحاق بها وتختبرهم فيه.
تضمن الكتاب بحسب ما نشرته جريدة «البديل» لائحة بإنجازات عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك من بينها «ضمان استقلال القضاء»، و«ضمان حرية الفكر»، و«تأكيد الممارسة الديمقراطية»، في حين وصف الكتاب نفسه في فصل آخر عن ثورة يناير عصر مبارك بأنه «عهد البؤس»، معتبراً أن نظامه استعان بـ«البلطجية والمأجورين والإعلام الرسمي المضلل لخلق رأي مضاد للثورة ولكنه في النهاية فشل في قمع الثورة أو القضاء عليها».
هذه الأزمة النفسية الحادة لدى المجلس العسكري تنعكس على أدائه السياسي، فهو يعلن تأييده للثورة تارة ويعتقل الثوار تارة أخرى، يستقبل قيادات 6 أبريل ثم يصدر بياناً يتهمهم بالخيانة دون دليل، يتلكأ في تنفيذ مطالبنا ثم إذا اضطر للاستجابة وضع أمامنا الطعام قائلاً: «كلوا بالسم الهاري».
رغم هذا لست قلقاً على الإطلاق، لأن شوارعنا سيكون فيها بعد سنوات جيل جديد، تفتح وعيه على الملايين يهتفون في الشوارع طلباً للعدل والحرية، وعلى حرب شوارع انهزم فيها الاستبداد في 4 ساعات، وعلى مصر التي تحاسب أكبر رأس فيها وتوقفه أمام العدالة قائلاً «أفندم أنا موجود».
هذا الجيل الذي حقق أول أحلامه في نصر أسطوري مجيد خفقت له قلوب شعوب العالم لن يقوى على مواجهته «موظفون» بلا أحلام.. هذا الجيل سيحلم كما اعتاد، وسينتصر لأنه دفع ثمن أحلامه دماً.. سيهزم «الكهنة» و«الكهول فاقدي الخيال» والديكتاتور الذي يرى الآن أول كوابيسه في قفص الاتهام.
Asad — Sat, 2011/08/13 - 5:48am
دار هذا الحوار القصير بيني وبين حسين عصر يوم 28 يناير، كنت قد لجأت إلى مقهى تم تكسيره وظل مفتوح الأبواب في شارع الجلاء باحثاً عن «فيشة» لإعادة شحن هاتفي، فوجدته هناك يبحث عن زجاجات فارغة ليصنع منها قنابل مولوتوف، فأدرت كاميرا الفيديو وتحدثت معه.
كان الطفل الفقير الذي لا يتجاوز عمره بأي حال 13 عاماً، منخرطاً في حرب شرسة على بعد أمتار مع كتيبة أمن مركزي وُضعت بدورها في مواجهة حسين ورفاقه، أفرادها أيضاً فقراء أبناء فقراء، بينما كانت فتاة من الطبقة المتوسطة تبكي وتصرخ «مش هسيبها يا كلاب» مشيرة إلى سيارة «جراند شيروكي» تلتهمها النيران، وفشل الثوار في إطفائها رغم محاولاتهم المتكررة.
لا أدري إن كان حسين عاد إلى أمه مساء جمعة الغضب أم لا، ربما كان بحكم عدم حمله بطاقة شخصية واحداً من شهداء الثورة «مجهولي الهوية»، وإذا كان قد بقي حياً فأين هو الآن، وكيف يرى المشهد بعد 6 أشهر؟
Asad — Thu, 2011/07/28 - 5:48pm

11 فبراير 2011، اللواء محسن الفنجري، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يقرأ بيانه الثالث: «إن المجلس ليس بديلاً عن الشرعية التي يرتضيها الشعب».
بعدها بيومين، أعلن الفنجري أيضاً البيان الدستوري الأول: «يتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر أو حتى انتهاء انتخابات مجلسي الشعب والشورى ورئيس الجمهورية».
أخلف المجلس العسكري وعده، فالأشهر الستة ستنقضي في الثالث عشر من أغسطس المقبل، دون رئيس، أو برلمان، أو دستور.
لم يعد قادة الجيش يتحدثون عن أولوية تسليم الحكم إلى «السلطة المدنية المنتخبة»، كما كانوا في أيام الثورة الأولى، حين كان الشعب في الشارع، وكنا وإياهم «إيد واحدة».
تنشغل المؤسسة العسكرية الآن بالحديث عن «وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور»، وضمان السرية المطلقة لميزانية الدفاع والأمن القومي، وظهرت مطالبات علنية صريحة بـ«حماية» الجيش من الرئيس (المنتخب) والبرلمان (ممثل الشعب)، بينما يلوّح اللواء الفنجري بأصبعه للجماهير محذراً من «زعزعة الاستقرار».
استولى المجلس العسكري على السلطة برضا الناس في بداية المرحلة الانتقالية، ثم بدأ يفرض أجندته الخاصة على الجميع، وينفذ ما يريده دون اعتبار لرأي من منحوه الشرعية في البداية، واستناداً إلى إعلان دستوري منفرد يمنحه صلاحيات إلهية مطلقة، يساومنا الآن على امتيازاته ومكاسبه من عملية «حماية الثورة».
وإزاء إصرار المجلس العسكري على افتعال معارك وهمية وعرقلة الانتقال السلمي للسلطة قبل الحصول على ضمانات للحفاظ على «وضعه الخاص»، تنادت بعض النخب السياسية إلى اقتراح مبادرات لطمأنة قادة الجيش، ظاهرها «الخروج الآمن» للمجلس العسكري، ونتيجتها النهائية «الدخول الآمن» للمؤسسة العسكرية في معادلة السلطة وإعادة إنتاج نظام يوليو في صيغة مفادها جمهورية برلمانية تديرها حكومة ائتلافية ضعيفة، ورئيس يستقبل الضيوف ويحضر الاحتفالات، بينما يحكم البلاد من وراء ستار مجلس أعلى للدفاع الوطني يحتكر السلطة والسلاح والمال.
لا تكمن المشكلة فقط في رغبة بعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في ضمان وضع شاذ للمؤسسة العسكرية، يكفل لها أن تكون دولة داخل الدولة، بل حتى الطيبون منهم الذين يفضلون أداء الجيش لوظيفته بعيداً عن أدران السياسة، يعانون من أزمة نفسية حادة، أهم أعراضها احتقار المدنيين عموماً من باب الاحتياط، والشك في كفاءتهم ووطنيتهم وحتى رجولتهم، إلى أن يثبت العكس.
لا تزال المؤسسة العسكرية المصرية عالقة في الستينيات، تظن أن الإخوان والوفد هما الأكثر انتشاراً في الشارع، وتختار لإدارة البلاد وزراء ومسؤولين خدموا مع عبد الناصر والسادات، ولم تغير مليارات المعونة العسكرية الأمريكية من عقيدتها التقليدية المعادية للغرب، والتي تتشكك في أي شيء قادم من الخارج، وأي مدني ليس من أبنائها.
هذه المواقف التي يواريها قادة الجيش الآن لأنهم يعلمون عواقب إعلانها، تظهر أحياناً في زلات ألسنتهم، كالحديث العنصري الذي نطق به اللواء حسن الرويني، قائد المنطقة المركزية، حينما تحدث عن الشاعر تميم البرغوثي، ابن الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، والروائية المصرية الدكتورة رضوى عاشور، مستنكراً أنه «واحد بيتكلم بلهجة غريبة، واسمه اسم غريب، وشكله مش شكل المصريين»، ورغم ذلك «يتكلم في قضايا الأمن القومي المصري».
مدنية الدولة معركة لا تقبل التأجيل، والشعب الذي أسقط واحداً من أعتى الأنظمة الديكتاتورية في العالم لن يعجز عن خوض جولة أخيرة لفرض شكل الدولة التي دفع ثمنها من دماء أبنائه، ولن يقبل بإبعاد سلطته المدنية المنتخبة عن أي قضية بدعوى الأمن القومي، وهو في الوقت نفسه أحرص على جيشه الوطني القوي المحترف من أي طرف آخر.
وعلى قادة المجلس العسكري، السيئين منهم والطيبين، أن يتركوا الشعب يقرر مصيره دون وصاية أبوية، وأن يسرعوا بالعودة إلى ثكناتهم ومقارهم بمدينة نصر في أقرب وقت، لأنهم لم ولن يكونواً بديلاً أو حتى شريكاً لـ«الشرعية التي يرتضيها الشعب».