
عمر الهادي ..صحفي مصري وُلد في ولاية مبارك الثانية.
جميع المواد المنشورة في هذه المدونة تعبر عن الرأي الشخصي لصاحبها، ولا تمثل أي جهة.

عمر الهادي ..صحفي مصري وُلد في ولاية مبارك الثانية.
جميع المواد المنشورة في هذه المدونة تعبر عن الرأي الشخصي لصاحبها، ولا تمثل أي جهة.
asad — Wed, 2007/03/28 - 10:00am
بيقولك عشرة ملايين مصري خرجوا يوم الاثنين وتوجهوا إلى مراكز الاقتراع للمشاركة في الاستفتاء على تحديث دستور مصر , بس تقريبا كانت الدنيا ضلمة ومحدش أخد باله من العشرة مليون وهم خارجين من بيوتهم.
ما علينا ..
في البدء كانت عربة الترحيلات , جيمي هود وأنا وضابط بأمن الدولة يطلب بطاقتينا الشخصيتين ثم يقول بلهجة الناصح الأمين :" أنتم شباب جامعي وشكلكم أولاد ناس ؛ سيبتوا إيه للصيّع ؟!" حينها قلت له إننا لسنا من الصيع وإننا نمارس حق التظاهر الذي تكفله الديمقراطية وكل مواطن من حقه أن يقول نعم أو لا فقال لي طيب ليه ما رحتوش النقابة ؟! . لكنني الآن أصدقك القول عزيزي الضابط : إننا نحن الصيّع بعينهم .ضابط مباحث يصعد إلينا :" إحنا شباب زي بعض وكلها عشر دقائق وتمشوا " .
أشاهد من النوافذ الضيقة مجموعة من رفاقنا يتحركون في هدوء جنائزي تحت إشراف الأمن منسحبين إلى ميدان طلعت حرب بعد أن صار واضحاً مصير كل من تسول له نفسه الاقتراب من ميدان التحرير , أطلب من جيمي أن يبدأ الغناء ونقطع الوقت بالضحك والتندر على المارة ورجال الأمن ولا سيما ذاك الذي أصدر أمر القبض على جيمي لا لشئٍ سوى أنه رآه مرة على شاشة الجزيرة ! .
مرت ساعتان وبدأت أشعر بالملل , العربة لا تزال في مكانها مع وعود ضابط المباحث بالإفراج الفوري , تعمل المحركات فجأة فأسأل أمناء الشرطة المرافقين عن وجهتنا فيقول أحدهم إنهم سيفرجون عنا في باب الشعرية ! ولا تسَل عن السبب ؛ إنها الداخلية المصرية فحسب . لكن العربة تستمر في المسير وتتجول بنا في شوارع القاهرة على غير هدى : تتوقف في مكان ما ثم تسير إلى مكان ثان لتعود أدراجها إلى الأول ؛ حتى بدا واضحا أنهم قد ابتُلوا بنا ولا يعرفون ولم تأتهم أوامر بخصوص كيفية التصرف في شأننا ولا يريدون أن يعرف الناشطون الآخرون مكاننا ,أسأل أحدهم بصبر نافذ عن معنى ما يفعلونه فيتعلل بانتظار مكالمة من حبيب العادلي .
تسير العربة طويلاً ونبدأ في محاولة تخمين المكان الذي نتجه إليه من خلال قراءة اللافتات : سجن ترحيلات الخليفة , أكاديمية مبارك للأمن - حيث نكون حقل تجارب لتدريب الطلاب الجدد - أمن الدولة بمدينة نصر , محكمة مش عارف إيه , قسم شرطة القاهرة الجديدة ... إلخ .
في القاهرة الجديدة نأخذ في الصياح وركل جدران العربة كلما توقفت ؛ وخشية من افتضاح أمرهم يقرر الضباط التحرك فوراً إلى مكان آخر حتى ألجأناهم آخر الليل إلى الصحراء الجرداء التي ليس فيها زرع ولا ماء كما يقول كتاب القراءة للصف الثالث الابتدائي , كان المشهد مقلقا في ظل ظلام حالك و أرض خلاء - لا يُجاب فيها منادٍ ولا يُغاث ملهوف - . معتقلان اثنان ضد بضعة عشر ضابطا وشرطياً وبدأتُ في التحسب لما هو أسوأ بما في ذلك سيناريوهات عبد الحليم قنديل ورضا هلال .
بعد الثالثة فجراً يدخل ضابط المباحث حاملاً علبتي كشري من " أبو سماح ", يبدو فخوراً ومعتزاً بنفسه , يرسم ملامح الفرسان والنبلاء على وجهه بينما يخبرنا أنه رغم كل شيء يحترم إنسانيتنا و"يراعينا كبني آدميين" ولهذا فقد أحضر لنا الكشري , قلت له المسألة مش مسألة كشري سيادتك , عليك أن تنقلنا إلى مكان معلوم وواضح " إيه المكان اللي احنا فيه ده ؟ إنت كدة خاطفنا في الصحرا !" إسود وجهه وقال إن الأمر ليس بيده , فكرت في أن أسأله عما إذا كان مثل مأمور قسم الضاهر اللي يا عالم بيعرف يدخل الحمام لوحده ولا بيحتاج أمن الدولة تشطفه برضه ؟! لكنه سارع بالمغادرة .
بمرور الوقت كان لابد من ممارسة فعل بيولوجي حتمي ولم تكن هناك أية إمكانية لذلك بدأ جيمي يصرخ ويصيح, هددنا بالتبول تحت الباب الذي يقبع خلفه عشرة من الجنود وأمناء الشرطة إذا لم يذهبوا بنا إلى أي مكان مناسب فكانت الإجابة : افعلوا ما شئتم حيث شئتم . و ما كنا لننفذ تهديدنا ؛ فقمنا بإفراغ زجاجة ماء الشرب لنستخدمها في التبول .
انسحب الضباط إلى فيلا داخل المدينة فرضوا أنفسهم ضيوفاً على صاحبها , وبدأ الباقون من العناصر الأمنية في اتخاذ التدابير المناسبة للنوم والاقتتال على ما معهم من ملابس وأغطية محشورين في مساحة لا تزيد على ثلاثة أمتار مربعة بمؤخرة العربة ؛ فأيقنا أننا سنبيت ليلتنا على هذه الحال , نجح جيمي في النوم أحيانا لكنني فشلت في ذلك ؛ كان البرد في الصندوق الحديدي المظلم قاسياً بحيث لم يمنعني من النوم فحسب بل نغّص عليّ يقظتي بآلام شديدة في العظام .
سمعت الجنود وأمناء الشرطة يرثون لحالنا ويؤكدون لبعضهم أن هذا اليوم هو أصعب وأوسخ يوم خدمة في تاريخهم مع وزارة الداخلية , وقد كانوا رجالاً وجدعاناً معنا ولا أريد الإسهاب أكثر حتى لا يعلم حبيب العادلي أننا نجحنا في تجنيد رجاله !
جاءت ساعات الصباح الأولى بمزيد من البرد وتأخر الضباط النائمون في العسل عن الحضور إلينا لكن ما خفف من الأمر تواصلنا صوتيا مع زملائنا في عربة الترحيلات الأخرى التي اكتشفنا وجودها إلى جوارنا, ترتفع المعنويات بينما يصيح كريم الشاعر ليخبرنا أن الزملاء في الخارج يعرفون مكاننا وأنهم حضروا إلى هنا وصوروا ضباط الداخلية وهم نائمون , نهلل بفرح وشماتة في الضباط المختومين على قفاهم ونبدأ في السخرية من درجاتهم المتدنية في الثانوية العامة , تأتي الأستاذة ولاء سعدة في سيارتها الخاصة مع فتاة أخرى - بناء على توجيهات وزير شئون الأسرى محمد الشرقاوي - فيبهت بلطجية حبيب العادلي ويتجمعون حولها في ذعر بينما نصيح فيهم : بنتين ثبتوكوا يا رجالة خرفان !!!
كل ضابط فيهم كان فاكر نفسه الضابط المجرم الـ محصلش وفرحان إنه عرف يخبينا في الصحراء في مكان هو نفسه ما يعرفوش أساساً بعد عشرين ساعة من محاولات التضليل ليجد فتاتين تداهمانه وسط الصحراء ويقع في شر أعماله , بعدها جاؤوا إلينا وطلبوا تعصيب أعيننا حتى يتم الإفراج عنا بدون أن نعرف المكان الذي نحن فيه , فقلت للضابط نحن بجوار محمية الغابة المتحجرة وغمي عيني بجملة الفضايح اللي اتفضحتوها النهاردة , ولم يفرجوا عنا مباشرة بل ذهبوا بنا إلى عربة باقي الزملاء , وعندما قرروا الإفراج عن الجميع قالوا لنا سننزل واحداً منكم كل فترة !
- هنا في الصحرا ؟
- لأ طبعا هو احنا كفرة ؟ ما بنحسش ؟ معندناش دم ؟ ننزلكم هنا إزاي ؟ أنتم إخواتنا هتنزلوا على الطريق وفيه مواصلات!
مفيش عشرة متر ولاد الكلب الكفرة راحوا منزلين أول واحد !
جاء الدور علي فنزلت إلى الضابط الذي سلمني بطاقتي الشخصية وسألته عن طريق العودة فقال لي امشِ في أي اتجاه ! اركب أي عربية تلاقيها رايحة أي حتة ! وأخذ يعتذر لي :
- معلش يا عمر !
- طيب خلاص.
- حقك عليّ يا عمر !
-ولا يهمك يا عم.
- والله ما هو بإيدنا يا عمر!
- خلاص يا سيدي.
-إحنا معاكم يا عمر!
-..... وكنت قد تركته وأخذت أشق طريقي في الصحراء.
ركبت بعد طول انتظار مع سائق سيارة نصف نقل حتى قابلت الشرقاوي في سيارة أخرى تقودها إحدى الزميلات وواصلنا البحث عن باقي المفرج عنهم قرابة ساعتين على الطرق الصحراوية .
الناس اللي ساعدونا وسألوا عننا ووقفوا جنبنا مش هينفع أشكرهم عشان عيب ومش هينفع أقول أساميهم عشان كتير :)
اقرأ أيضا ما كتبه رفاق السجن :
asad — Wed, 2007/03/21 - 10:00am

مش عايزين تعديل دستور .. عايزينك ترحل وتغور
يوم الاثنين فيه استفتاء على تعديل 34 مادة في الدستور المصري دستور بلدنا اللي بيقول البلد تمشي إزاي وبيحدد حق وواجب كل واحد فينا, التعديلات دي الحزب الوطني عملها بمعرفته .. تعديلات تفصيل على مقاس جمال بيه , عشان محدش يتكلم أو يعترض أو يطالب بحقه أو يرفع راسه , مش كدة وبس كلنا هنكون مهددين في الشارع وفي شغلنا وبيوتنا وأكل عيشنا .
تعديل المادة 179 بيدي الحق لأي أمين شرطة إنه يدخل بيتك ويفتشك ويراقبك ويراقب تيلفونك ويسجلك صوت وصورة ويحبسك وكل ده بمزاجه من غير إذن نيابة ولا دياولو وبعدين يوديك محكمة عسكرية لأنك إرهابي ؛ يعني مفيش حصانة لمحامي ولا صحفي ولا قاضي ؛ يعني مفيش عدل ولا صحافة ولا قانون , وكله بالدستور يا بيه !
أما بقى تعديل المادة 88 فده بيلغي الإشراف القضائي على الانتخابات ويسيبها للداخلية وبتوع " نعم نعم يا مبارك " يطلعوا النتيجة اللي هما عايزينها . التعديلات كمان هتمنع أي مستقل يترشح للرئاسة يعني انكتب علينا وعلى ولادنا رئيس من الحزب إياه لحد ما نموت , ورئيس الجمهورية بقى من حقه يحل مجلس الشعب من غيرحتى ما يستفتي الناس ؛ يعني احنا ننتخب مجلس شعب هو ييجي يحله من دماغة ويطلعلنا لسانه .
يعني من الآخر البلد هتبقى عزبة مبارك وولده , واحنا عبيد وأنفار عندهم مالناش حقوق وكتّر خير ناظر العزبة إنه سايبنا قاعدين .
احنا بقالنا كتير بنتكلم عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية وتداول السلطة والنهب والفساد والقطارات والعبارات والسرطان والعنوسة والبطالة والفقر والجهل والمرض و عندنا استعداد نفضل نتكلم ونحاول تاني وتالت , بس التعديلات دي هتحرمنا حتى من أبسط حقوقنا كبني آدميين وهو حق الكلام والتعبير, الموضوع مش المعارضة والناس بتوع السياسة بس , الموضوع هيضرنا كلنا , أي حد هيفتح بقه دلوقتي ممكن يبقى إرهابي مفيش حرمة ليه ولا لبيته وعرضه وحريته وكرامته , من حقنا نكون زي كل شعوب الدنيا اللي واخدة حقها والحكام بيشتغلوا موظفين عندها , من حق ولادنا يعيشوا في مصر أحسن من اللي احنا عشنا فيها , كل واحد فينا هيجيله يوم يسأل نفسه أو ولاده هيسألوه كان فين يوم ما البلد اتباعت وبقت تكية لمبارك والعصابة اللي معاه ؟!
دي آخر فرصة نتكلم واحنا لسة بني آدمين نرفض الاستعباد والذل اللي عايزينا نعيش فيه , يمكن تكون دي آخر مرة نقدر ننزل الشارع فيها نعبر عن رأينا ما هو بعد كدة اللي هيتكلم هيبقى إرهابي .
يوم الأحد 25\3 الساعة 6 هنكون كلنا في ميدان التحرير , كل الأحزاب والتيارات والاتجاهات , رجالة وستات , ولاد وبنات , هنبات ليلة في الشارع نقول كلمتنا ونوصل صوتنا ونبقى عملنا جزء من اللي علينا قدام نفسنا وولادنا وقدام ربنا , مهما يعملوا هننزل الشارع ومش هنخاف ومش حنسيب بلدنا عشان احنا أصحابها .
شباب بيحلم ببكرة
جزى الله خيراً من أعان على نشرها يا رجالة
asad — Sun, 2006/07/30 - 10:00am
قبل ساعات شاهدتُ - بطريق الخطأ - ما تسمى : " قناة النيل للأخبار " فوجدتها قد جعلت شاشتها على هيئة الأخبار العاجلة والأنباء المهمة , وإذا الخبر المكتوب إلى جواره كلمة عاجل هو :ـ
مصر تدين العدوان الإسرائيلي على قانا
يا رب متى ترفع عنا الابتلاء بهؤلاء الحكام الخنازير وأبواقهم الداعرة ؟
السادسة مساء الاثنين
ميدان التحرير
شعب مصر يقول كلمته بعد العدوان الصهيوني الإرهابي الجبان
موعدنا ميدان التحرير
asad — Fri, 2006/07/28 - 10:00am

يوم الأحد القادم تحل بنا الذكرى السنوية الأولى لمعركة تلاتين سبعة الخالدة , والتي شهدتها شوارع وسط البلد في ميدان التحرير وشارع طلعت حرب وباب اللوق , كانت تظاهرة احتجاجية دعت لها قوى سياسية مختلفة بعد يوم واحد من إعلان مبارك ترشيحه رسمياً للانتخابات الرئاسية .ـ
اندلعت يومها حرب شوارع مصغرة بين المتظاهرين وبلطجية مبارك , أسفرت عن اختطاف أربعة وعشرين من النشطاء , قضى معظمهم ثلاثة أيام في معسكر الأمن المركزي بالدراسة .ـ
كنت أنوي قبل فترة ان أدعوكم للاحتفال بالذكرى على طريقتنا في نفس الزمان والمكان , لكن الأمن باغتنا واحتفل قبلها بأربعة أيام في موقعة الأربعاء البنفسجي 26 يوليو .ـ
أصبحت الأيام متشابهة والمآسي تتناسل وتتكاثر , هل بقي معنى لما نفعله ؟
المجد لذكرى تلاتين سبعة
ونحيي الذكرى العام القادم بإذن الله
ميدان التحرير
السادسة مساء || 30/7/2007
تدوينة من أرشيفي عن وقائع المعركة
تدوينة من أرشيف محمد " طق حنك "ـ
asad — Thu, 2006/07/27 - 10:00am

في تمام السادسة تقريباً أصل إلى ميدان التحرير عبر مترو الأنفاق , عند سلم الخروج من محطة مترو السادات - وقبل أن أصل إليه - أرى بعض المراسلين الأجانب ينظرون إلى الأعلى , بدا لي أن الأمن قد أغلق هذا المخرج , لكنه لحسن الحظ لم يكن مغلقاً .ـ
في الميدان نفسه كانت قطعان البلطجية وعربات الأمن المركزي تسيطر على المشهد , لا أرى أية متظاهرين أو دلائل على وجودهم , هممت بالانضمام إلى مجموعة تحلقت داخل مساحة خضراء أمام مجمع التحرير , سرعان ما أتراجع بعد أن أتبين أنهم مجموعة بلطجية يتلقون التعليمات الأخيرة , أواصل عبور الميدان لأعثر أخيراً على وجه مألوف , وائل عباس يقف مع شخص أو اثنين على الرصيف أمام كنتاكي , يظهر أيضاً كمال خليل وعدد آخر , يفتتح كمال الهتاف ليظهر المزيد منا ربما عشرون أو ثلاثون نبقى أمام كنتاكي لدقائق ونلاحظ أن كردوناً بدأ يُنصب حولنا , مدد قوامه العشرات يظهر فجأة في شارع طلعت حرب , نحاول العبور إلى الشارع فيما بعض الضباط يحاولون منعنا , نزيحهم عن طريقنا و نلقي بالحواجز الحديدية بعيداً , أدفع بعضاً منها أمامي إلى وسط الميدان , لا أدري لماذا ؟ ربما تصورت أنها قد تكون مفيدة لنا .ـ
وبينما ينضم إلينا المزيد من المتظاهرين , كان المزيد من عناصر قوات مكافحة الشغب لابسي الزي المدني يتوافدون أيضاً , خلال دقائق استقر المشهد الذي سيستمر إلى نهاية اليوم : حوالي ألف وخمسمائة متظاهر يقفون وسط الشارع يحيط بهم مئات من البلطجية في الدائرة الملاصقة , وآلاف آخرون تفرقوا في أنحاء الميدان . ـ
حركة " ضباط من أجل التفعيص " استأنفت نشاطها , في محاولة أولى لتفريقنا يقوم البلطجية بـ " فعصنا " , يضغطون علينا بعنف ولم نكن مستعدين لهذا فتراجعنا إلى الوراء لنعيد الكرة عليهم بعد ثوان , و تبقى الحرب سجالاً تارة ندفعهم وتارة يدفعوننا , أحياناً أفقد الإحساس بوجود قدميّ على الأرض و أشعر بأنني معلق بين البلطجية والمتظاهرين من شدة التدافع , في بعض المرات كنت خائفاً من السقوط على الأرض حيث تدهسني الأقدام العدوة والصديقة , أثناء التدافع ضابط يختبيء وراء أحد جنوده و يضربني بقدمه فجأة , ثم يكرر ذلك أكثر من مرة .ـ
يقف الصحفيون والمصورون على فتحة تهوية للمترو وفوق رصيف الحديقة المستديرة وسط الميدان , ونقف نحن وسط الطريق في المنطقة المقابلة لناصية طلعت حرب وكنتاكي , بعد فترة يتضح أننا سنبقى هكذا محاصرين فنقرر اختراق الحصار , تتوجه مجموعة من الشباب إلى المنطقة القريبة من ناصية طلعت حرب و لأننا الخناق مُضيّق علينا أصلاً فالفرصة سانحة بعد أي محاولة فعص أمنية لمحاولة الرد بالمثل وكسر الكردون , وهكذا نبدأ في دفع البلطجية والاشتباك معهم بالأيدي والأرجل , يحاول " عقلاء " من الطرفين تهدئة الأجواء والوصول إلى حل وسط مفاده أن " محدش يمد إيده على التاني " ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل ; فالفعص يزداد ولابد من فتح ثغرة في صفوف البلطجية , نحاول مرة أخرى وندفعهم فيضربوننا بعنف ونضربهم نحن أيضاً ونحاول " أسر " أحدهم فيسحبه زملاؤه وبدا أحد البلطجية وقد تضرج نصف وجهه بالدماء .ـ

ضابط يحدث أحد رؤسائه عبر اللاسلكي قائلاً إن الوضع صعب وأن المتظاهرين " مبهدلين الدنيا " , بعد قليل تنسحب صفوف البلطجية مرتدي الزي المدني , وبينما نهتف آمرين إياهم بالطلوع " برة " يحل محلهم صفوف أخرى من عساكر الأمن المركزي " كتيبة الدعم " لكنهم هذا المرة يمسكون عصيّا ذات حجم أكبر ويرتدون دروعاً غليظة فوق ملابسهم السوداء وخوذاتٍ على رؤوسهم وقد شبكوا أيديهم , فشكلوا سياجاً بشرياً حولنا , تواصلت فصول المعركة السابقة بنفس تفاصيلها تقريباً , لكن الأعداء الجدد كانوا أقل فاعلية من سابقيهم إذ كانت حركتهم مقيدة بسبب دروعهم وملابسهم المعقدة إضافة إلى كون أيديهم مربوطة إلى بعضها , حاولت أثناء المواجهة أن أستولي على عصا أحدهم لكنه و عدداً من زملائه تشبثوا بالعصا فتركتها – سمعت أنهم يتعرضون للمحاكمة إذا ما فقد أحدهم عصاه - , تسير الأمور على ذات الوتيرة المتراوحة بين إقدام وإحجام حتى حاولوا فعصنا مجدداً فدفعناهم , و أثناء مشادة كلامية يخرج أحد الضباط شيئاً ويرشه في وجهي .ـ
ـ
كان ذلك بخاخاً يصدر مادة حارقة تسبب تهيج الجلد والعمى المؤقت , تُصنّف من ضمن أسلحة الدفاع الشخصي Self Defense Spray
وتستخدمها النساء عادة في الدول الغربية لمواجهة خطر التعرض للاغتصاب في الشوارع الفارغة والأماكن المظلمة حيث تطلقه على وجه المغتصِب المُفترض ليتسنى لها الهرب , فهل اعتقد الضابط الهمام أنني على وشك الشروع في اغتصابه !؟
أظلمت الدنيا أمامي فجأة و اشتعل وجهي ناراً و سالت دموعي و لم أعد قادراً على رؤية أي شيء , اتضح فيما بعد أن هذا " الاسبراي " لا لون له وبالتالي فلم يلاحظ أحد بسهولة ما حدث لي , أعطيت ظهري لخط المواجهة وداخلت إلى عمق المظاهرة أصطدم بالناس وأسير على غير هدى لأمتار بينما أرفع صوتي بطلب الماء لعله يطفيء اللهب المشتعل في وجهي , حتى تعرفت على الرفيق محمد علي كرامة – من صوته ربما - فأمسك بيدي ومضيت معه إلى مكان خالٍ نسبياً لتبدأ النصائح والتوجيهات تنهال على رأسي , يتشاجر اثنان حول ما إذا كان يجب أن أضع ماءاً على وجهي فيما يصر ميت على أن البصل وحده كفيل بمعالجة الإصابة !ـ
يقول محمد علي لحسم الخلاف : " خلاص ممكن نجرب " – أو هكذا توهمت أنني سمعته – أكاد أضربه وأقول : " هتجربوا فياّّ يا ابن الـ. . . " !؟
فيبادر للتصحيح :" قصدي جربنا المية قبل كدة , بتزود الألم أكتر " , اكتفيت بمسح وجهي بالمناديل .ـ
يأتي وليد وقد تعرض هو الآخر لنفس ما تعرضت له , أقترح مداعباً إنشاء مستشفى ميداني بالمكان لاستقبال الجرحى . أسمع – ولا أرى – بعض الأشخاص يسئلون عما بنا ويطمئنون علينا , " يا عيني يا ابني " وأشياء من هذا القبيل . بعد ربع ساعة تقريباً استطعت فتح عيني بصعوبة وعدتُ لمواصلة المعركة .ـ
للاستفادةالمستقبلية : ما خرجتُ به من خبرة بخصوص الاسبراي الحارق هو التالي :
1- ابتعد عن مكان حدوث الواقعة لأنك ستكون أعمى ولن تستطيع تلافي أي ضربات توجه لك .ـ
2- اجلس في مكان جيد التهوية , وامسح وجهك بقماش أو مناديل جافة ولا تستخدم المياه .ـ
3 – بعد ربع ساعة من الإصابة حاول فتح عينيك , إذا لم تستطع فحاول بعد دقائق , وخلال نصف ساعة سيزول الألم بشكل كامل تقريباً .ـ
4- بعد ثلاث أو اربع ساعات اغسل وجهك , ستشعر بألم مرة أخرى في عينيك وأنفك , لكنه ألم بسيط سيزول سريعاً .ـ
5 – ما تعملش نفسك دكر وبطّل مشي مع الصيّع بتوع السياسة ( اختياري ) .ـ
أعود إلى الميدان لأتخذ موقعي من جديد , لا شيء تغير , حرب استنزاف تدور بين الطرفين , فجأة يتصاعد الهتاف والصراخ , " خدوا واحد . . خدوا وا حد " , لا أحد يعرف من هو , ولم يستطع أحد مشاهدته , فقد اختطفوه من بيننا بحركة خاطفة وسرعة شديدة , يقول لي أحدهم إن اسمه علاء ويرتدي قميصاً برتقالياً , علاء سيف يرتدي تي شيرتاً أبيض لكنني أتأكد من وجوده بيننا , فيما يعتقد خالد أن أخاه هو الذي اختطف , لم يكن هذا ولا ذاك , بل محمد جمال , جذبه ضابط عجل إلى صفوف البلطجية حيث أفلت منهم وجرى ليدخل إلينا من ناحية أخرى ولكنهم أدركوه ولم يخلصه من بين أيديهم سوى الصحفيون المتواجدون عند الحديقة المستديرة .ـ

مرتان على الأقل ارتفع فيهما الصراخ ليعلن أحدهم خبراً عاجلاً وصله للتو عن قصف تل أبيب , ويضج المشاركون بالهتاف فرحين بضرب تل أبيب , ولم تكن سوى كذبة كبيرة . ذكّرني هذا بحالة الشد العصبي التي انتابت آلافاً من الإخوان المسلمين شاركتُهم انتظار نتيجة الانتخابات البرلمانية أمام إحدى لجان الفرز العام الماضي , فلو أن أحدهم قال في سره : " الله أكبر والله الحمد " لضج الآلاف فجأة بالهتاف , و تعالت الأصوات والصيحات وجرى العشرات نحو مصدر الصوت وتولّدت ذاتياً عدة إشاعات عن نتيجة الفرز .ـ
استمرت محاولات الفعص حتى الدقائق الأخيرة من عمر المظاهرة , حيث انتهت في التاسعة تقريباً بإخراجنا على مجموعات صغيرة عبر ممر ضيق للغاية صنعه عساكر الأمن المركزي بأجسادهم , وبقي بضعة عشر متظاهراً حيث كان الصحفيون عند الحديقة المستديرة , وفي مشهد مفزع أحاط الأمن هؤلاء البضعة عشر نفراًُ بمئات من لابسي السترات السوداء , فتكهربت الأجواء ولاحت نذر مذبحة في الأفق , ولكن الموضوع انتهى على خير بفضل الله .ـ
أذهب إلى مقر كفاية , أرى في الطريق شرقاوي , للمرة الأولى بعد خروجه , أعانقه ونتبادل بعض العبارات الروتينية , يحملني السلام لبعض الرفاق , في مقر كفاية رأيت المتواجدين داخله في حالة عدم اتزان نفسي عجيبة , و سمعت أصوات عالية ومتداخلة , بلغهم نبأ يفيد بأن الجيش الصهيوني ضربنا , أسألهم : " سفارتنا في بيروت يعني ؟ " تأتيني الإجابة : لأ , مصر نفسها , في رفح .ـ
نُهرع إلى الانترنت وبينما محمد عادل يدخل إلى الشبكة أسال عن التفاصيل الدقيقة للخبر فكانت على النحو التالي : رفح انضربت , مصر أعلنت التعبئة العامة , والجيش على الحدود !ـ
ما إن سمعت أحلام اليقظة هذه حتى قهقهت: " وااااسعة أوي دي " ولستُ في حاجة لإخباركم أن الموضوع طلع فشنك .ـ
كانت مظاهرة مختلفة نوعياً , بعد أشهر قضيناها كالمطاريد في بير السلم أمام نقابة الصحفيين , العدد أيضاً كان جيداً نسبياً , أعتقد أنه كان يمكن أن يزيد لولا الحصار الامني الذي أطبق علينا بعد دقائق من بدء المظاهرة , بشكل عام انطباعي إيجابي , ورغم كل ما تعرضت له من عناء عدت سعيداً ومرتاحاً كما لم أعد من مظاهرة من قبل , وها أنذا أكتب في وقت متأخر من الليل .ـ
رغم التقييم الإيجابي لليوم إلا أن التقييم العام لحركة التغيير في هذه المرحلة = صفر , نحن نلهو ونعبث , ونضحك على أنفسنا , وواخدين المسألة باستهبال , أتحدث هنا تحديداً عن كفاية , هذه الحركة تموت الآن , علينا أن نتدخل لإصلاح الأوضاع وإعادة ترتيب الأوراق , إذا لم ننتمكن من ذلك فبالسلامة , لن نبقى رهائن أوأسرى , لدينا مستقبل نريده على هذه الأرض وسننجح في إيجاد صيغة لإنقاذه بكفاية وبدونها . وهذا حديثٌ قادم , أدعوكم لإعداد أوراقكم بشأنه .ـ
أخيرأ : إلى البلطجي القذر أبو قميص أصفر الذي ركلتُه بكل قوتي بين فخذيه : " أتمنى لك مستقبلاً أسرياً سعيداً "
ـ

asad — Sat, 2006/07/22 - 10:00am
اطمئنوا لستُ أنا الداعي لها , بل تجمع القوى الوطنية من أجل فلسطين ولبنان , يعني مالناش حجة نفشل المرة دي .ـ
.